في أواخر نوفمبر 2025، برزت البتكوين والعملات الرقمية في الشأن العام بعدما أفادت تقارير محلية بأن محكمة استئناف طرابلس أصدرت حكمًا بالسجن ثلاث سنوات على تسعة أشخاص بعد إدانتهم بتشغيل معدات لتعدين العملات الرقمية داخل مصنع الحديد والصلب في زليتن. قبل ذلك بمدة قصيرة أعلنت السلطات في 2023 تفكيك موقع تعدين في مصراتة واحتجاز 10 صينيين بالتهمة نفسها. حضور البتكوين أطر بشكل جدلي بسبب استهلاك عمليات التعدين الكبير للطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى غياب إطار قانوني واضح ينظم التعامل بها.
لكن قبل الحكم على مثل هذه الوقائع، لا بد أولًا من فهم الأصل نفسه: ما هي البيتكوين؟ وكيف تعمل؟ ولماذا تجذب العملات الرقمية كل هذا الاهتمام حول العالم؟
ما هي البيتكوين؟
البيتكوين هي عبارة عن أصل رقمي مشفّر صُمم ليعمل دون بنك مركزي أو جهة واحدة تتحكم بها. الفكرة الأساسية جاءت لتمكين المستخدمين من تحويل القيمة مباشرة من شخص إلى آخر عبر الإنترنت، دون الحاجة لوسيط تقليدي مثل البنك، الذي قد ترتفع عمولاته وقد يخلق تعقيدات وقيود تحول دون إتمام المعاملات. تشفير الأصل الرقمي هنا يتيح تسجيل معلومات جميع المعاملات المالية في سجل عام متسلسل، تملك عدة أطراف نسخًا منه للمصادقة على محتواه. طرحت الفكرة الأصلية في "الورقة البيضاء" التي نشرها ساتوشي ناكاموتو سنة 2008 تحت عنوان Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System.
وفي 3 يناير 2009، تم تعدين أول كتلة في الشبكة، الكتلة صفر، والمعروفة باسم Genesis Block. وقد تضمّنت الرسالة الشهيرة:
“The Times 03/Jan/2009 Chancellor on brink of second bailout for banks”
التايمز، 3 يناير 2009: وزير الخزانة على وشك تقديم خطة لتتحمل الدولة خسائر البنوك.
مؤسس البيتكوين، والذي يستخدم الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو، وضع هذه العبارة في كتلة البيتكوين الأولى Genesis Block مقتبسها من عنوان لصحيفة التايمز.هذه العبارة يُنظر إليها باعتبارها أكثر من مجرد توقيع زمني؛ فهي تُقرأ أيضًا كإشارة إلى أزمة الثقة التي ضربت النظام المالي التقليدي بعد أزمة 2008.
كيف تعمل البيتكوين بدون تعقيد؟
البلوكشين: دفتر حسابات مفتوح… لكنه مشفّر
تخيّل دفترًا عامًا تُسجل فيه كل التحويلات، لكن بدل أن يكون محفوظًا في مكان واحد، توزع منه نسخ كثيرة حول العالم للمصادقة على صحته، بحيث تجمّع كل مجموعة من المعاملات المالية داخل دفتر، ثم يربط الدفتر بالدفتر السابق، فتتكون سلسلة تسمى ب“سلسلة الكتل” أو البلوكشين، وهو العمود الفقري الذي تعتمد عليه شبكة البيتكوين في المصادقة وكسب ثقة المستخدم، أي بالشفافية شبه المطلقة.
التعدين: لماذا يحتاج البيتكوين إلى كمية هائلة من الكهرباء؟
التعدين هو عملية تتنافس فيها أجهزة حاسوب متخصصة على حل مسألة حسابية معقدة تتعلق بالتشفير، والجهاز الذي ينجح أولًا في حل هذه المسألة يضيف كتلة جديدة إلى السلسلة، ويحصل في المقابل على مكافأة تستقطع من الحوالة وتدفع بالبتكوين.
تعتبر هذه الآلية في التشفير وحل مسائل رياضية معقدة أحد ركائز العملات الرقمية لصعوبة التلاعب بشبكة المصادقة المشفرة، لكنها في الوقت نفسه تستهلك كميات كبيرة من الطاقة. ووفقًا لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، المعتمدة على بيانات مركز كامبريدج للتمويل البديل، يتراوح استهلاك الكهرباء المرتبط بتعدين البيتكوين عالميًا في عام 2023 بين 67 و240 تيراواط/ساعة، مع تقدير متوسط يبلغ نحو 120 تيراواط/ساعة.
120 تيراواط/ساعة من الكهرباء تكفي لتشغيل ملايين المنازل لمدة عام كامل. وهذا يفسر لماذا يرتبط الجدل حول تعدين البيتكوين بملف الطاقة أيضًا.
التنصيف Bitcoin Halving: كيف يؤثر في سعر البيتكوين؟
البيتكوين ليس عملة يمكن إنتاجها من العدم، بل لها سقف وعدد محدود. ومن أجل الوصول إلى هذا السقف تدريجيًا، تنخفض مكافأة التعدين إلى النصف كل أربع سنوات تقريبًا.
مثلًا: في أبريل 2024، تراجعت مكافأة المعدّنين من 6.25 إلى 3.125 بيتكوين للكتلة الواحدة. وهذا يعني أن عدد العملات الجديدة التي تدخل السوق أصبح أقل من السابق. لذلك يلفت “التنصيف” اهتمام المستثمرين، لأن انخفاض المعروض الجديد قد يدعم الندرة، مما يساهم في ضبط التوازن بين العرض والطلب داخل السوق، ويرفع سعر البتكوين على المدى الطويل.
لماذا تثير البيتكوين كل هذا الاهتمام؟
البتكوين هي وسيلة للتحوط من تآكل قيمة العملات المحلية أو من القيود على التحويلات، ولكنها أيضًا أصل عالي التقلب يصلح للمضاربة، هذا مع وجود فئة ثالثة ترى فيه بنية مالية جديدة بالكامل، تقوم على اللامركزية والبرمجة والثقة في الشيفرة كبديل للثقة في المؤسسات.
لكن هذا الاهتمام نفسه هو ما قد يجعل السوق مزدحمًا بشكل مبالغ. فالبيتكوين ليست حساب توفير، وليست استثمارًا مضمونًا، وليست طريقًا سريعًا للثراء، بل هي أصل شديد التقلب، تصدر بشأنه الجهات التنظيمية تحذيرات متكررة. ففي أوروبا، حذّرت الهيئات الرقابية المالية المستهلكين من أن الأصول المشفّرة قد تكون شديدة المخاطر والمضاربة، وأن المستثمر قد يخسر كامل أمواله، مع وجود مخاطر احتيال وهجمات إلكترونية وضعف في الحماية القانونية بحسب نوع المنتج والجهة المقدمة له.
ماذا يعني هذا لليبيا؟
1) استغلال دعم الدولة للكهرباء
تكلفة الكهرباء عنصر حاسم في جدوى التعدين، بالذات عند توفر بيئة تكون فيها الكهرباء مدعومة أو غير مسعّرة بما يعكس كلفتها الحقيقية. عندها يصبح التعدين نشاطًا مغريًا جدًا، لأن جزءًا كبيرًا من التكلفة التشغيلية في الواقع تدفعه الدولة بدعمها للكهرباء. وهنا يكمن الحديث عن استغلال مورد عام لإنتاج عوائد خاصة، وهو السبب الذي يجعل قضية التعدين في ليبيا تتجاوز بعدها التقني إلى بعد اقتصادي وسيادي.
2) غياب إطار تنظيمي واضح يفتح الباب لاقتصاد ظل
عندما لا يوجد تنظيم واضح يوضح آليات إقامة نشاط ما، ينتقل النشاط إلى الظل. عندها تظهر معاملات وسلاسل توريد غير معلنة وغير مسجلة، وتدفقات مالية لا تمر عبر القنوات الرسمية، ما يجعل المشهد فوضويًا بدل أن يكون نقاشًا منظمًا حول: ما المسموح؟ وما المحظور؟ وما أثر التعدين على الشبكة الكهربائية؟ وكيف تُطبّق قواعد مكافحة غسل الأموال؟ وهذا هو السؤال الاستراتيجي الحقيقي: هل تكتفي الدولة بمحاربة الظاهرة، أم تبني إطارًا قانونيًا يحددها ويقيس أثرها ويمنع تحولها إلى عبء على البنية التحتية؟ هذه ليست دعوة للتطبيع مع الفوضى، بل دعوة لفهم أن الفراغ التنظيمي نفسه قد يكون جزءًا من المشكلة.
3) العملات الرقمية ليست مجرد “تداول”
قد يُختزل النقاش عند أوساط العموم في شراء بيتكوين وبيعه، ولكن المنظور أوسع من ذلك بكثير: هناك تداول، وقنوات نقل أموال من الداخل للخارج والعكس، وحفظ ذاتي للمفاتيح، ومنصات مركزية، وعقود ذكية، ومحافظ، ورسوم شبكة، ومخاطر اختراق، واحتمال الوقوع في مشاريع احتيالية. لذلك، فإن الشخص الذي يدخل هذا المجال دون فهم الفرق بين هذه العناصر لا يدخل سوقًا فقط، بل يدخل منظومة كاملة من المخاطر التقنية والمالية والقانونية.
4) ارتباطها بالدولار والسيولة
جزء من جاذبية العملات الرقمية في الاقتصادات الهشة يأتي من الرغبة في الوصول إلى أصل عالمي خارج النظام المصرفي المحلي، لكن هذه الجاذبية قد تكون خادعة. فالانتقال من أزمة ثقة في النظام المالي إلى أصل متقلب وغير منظم بالكامل لا يحل المشكلة دائمًا؛ أحيانًا هو فقط يبدّل نوع المخاطر: من مخاطر مصرفية محلية إلى مخاطر سعرية وتقنية وتنظيمية عابرة للحدود.
للمواطن الليبي: افهم قبل أن تُجازف
قبل شراء أي أصل رقمي، هناك أسئلة أساسية ينبغي طرحها: ما الذي أشتريه بالضبط؟ هل هو بيتكوين فعلًا؟ أين سأحتفظ به؟ في منصة أم في محفظة خاصة؟ هل أنا متفهم للتقلبات الشديدة لهذه العملات ومستعد لخسارة كامل اموالي؟ وهل الجهة التي أتعامل معها موثوقة أصلًا، أم أنني أمام إعلان جيد فقط؟
اقرأ أيضًا: الاستثمار للمبتدئين قبل الدخول في عالم الاستثمار
في هذا السوق، الخطأ لا يكون دائمًا في اختيار أصل هابط فقط، بل أحيانًا في اختيار منصة غير آمنة، أو إرسال الأموال إلى عنوان خاطئ، أو الوقوع في مشروع يعد بعوائد “مضمونة”. والقاعدة الذهبية هنا واضحة: كلما كانت الوعود سهلة وسريعة، زادت الحاجة إلى الشك لا إلى الحماس.
الخلاصة: بيتكوين في ليبيا… ملف اقتصاد وطاقة وحوكمة
قصة البيتكوين في ليبيا لم تبدأ من شاشات المستثمرين، بل من ملفات التحقيق وأخبار المداهمات وأحكام المحاكم. وهذا مهم جدًا، لأنه يكشف أن المسألة محليًا ليست مجرد نقاش عن “الابتكار المالي”، بل عن إدارة الطاقة، وضبط الاقتصاد غير الرسمي، وتطوير التشريعات، وبناء رقابة مالية تستطيع فهم عالم رقمي يتحرك أسرع من القوانين التي تنظمه.
في Boursa، هذا هو جوهر الرسالة التوعوية: افهم أولًا: من أين تأتي قيمة الأصل؟ كيف يعمل؟ ما مخاطر الاحتفاظ به؟ وكيف تستدل على المخاطرة؟
الوعي هنا ليس رفاهية، بل خط الدفاع الأول.
مراجعة وتحرير: د. عبد المجيد بن دله



