سواء كنت في السوق، أو في البيت … في المقهى، أو تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، يتكرر أمامك النقاش نفسه: كم سعر الدولار اليوم في المشير (السوق السوداء)؟ هل ستتراجع أسعار المواد الغذائية؟ كم سعر كيلو اللحم اليوم؟
هذه الأسئلة لم تعد حكرًا على التجار أو الاقتصاديين، بل أصبحت جزءًا من الحديث اليومي لكل ليبي. فقد دخل الدينار الليبي بقوة في تفاصيل الحياة، وأي تغيّر في قيمته ينعكس فورًا على ما نشتريه ونستهلكه.
ما حدث في عام 2025 زاد من حدّة هذه النقاشات. قرارات نقدية، وتغيّرات في سعر الصرف، وفجوة واضحة بين السعر الرسمي والسوق الموازية (السوق السوداء)، كلها أعادت الدينار إلى واجهة الحديث العام، ليس كعملة فقط، بل كقضية تمسّ الاستقرار المعيشي بشكل مباشر.
لكن هذه النقاشات لم تبدأ اليوم، ولن تنتهي قريبًا. فهي نتيجة مسار طويل مرّ به الدينار الليبي، من سنوات قوة وثقة، إلى مراحل اضطراب وتذبذب. وفهم هذا المسار يُعد الخطوة الأولى لفهم ما نعيشه اليوم، ولماذا أصبح سعر الصرف موضوعًا يشغل الجميع.
لم يعد الدينار الليبي مجرد وسيلة للدفع، بل أصبح مؤشر قلق يومي. كل تغيّر في سعره ينعكس مباشرة على حياة الناس، وعلى شعورهم بالأمان أو الخوف. وفي كل مرة يتراجع فيها، يعود السؤال نفسه:
كيف وصلت عملة بلد غني بالنفط إلى هذا الحال؟ ولماذا نرى دولًا ذات موارد طبيعية أقل، مثل تونس، تتمتع بعملة أكثر استقرارًا؟
الدولار بين سعر الدولة الرسمي وسعر السوق الموازية
مصرف ليبيا المركزي ينشر السعر الرسمي للدولار بشكل دوري، وبنهاية 2025 كان السعر الرسمي يدور حول 5.4 دينار للدولار (بحسب نشرات المصرف). (مصرف ليبيا المركزي)
لكن في السوق الموازية (السوداء)، تظهر صورة مختلفة تمامًا: في تحديث منشور بتاريخ 26 نوفمبر 2025، بلغ الدولار في السوق السوداء حوالي 7.92 دينار (بحسب صفحة أسعار الصرف لدى Libya Observer)، أي بفارق كبير عن السعر الرسمي. (libyaobserver.ly). بل أن بعض الأخبار تشير إلى تجاوز الدولار حاجز 8.5 دينار في نهاية ديسمبر.
الصورة التالية توضح الفرق بين سعر الدولار الرسمي مقابل الدينار وسعر السوق السوداء في سنة 2025:

USD/LYD
لماذا اتسعت الفجوة؟
اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق السوداء يعود إلى عدة أسباب واضحة وبسيطة.
أولًا: صعوبة الحصول على الدولار رسميًا
في كثير من الأحيان، لا يستطيع المواطن أو التاجر الحصول على الدولار بسهولة من المصارف بسبب الإجراءات، أو التأخير، أو وجود سقوف محددة. وعندما يحتاج الشخص إلى الدولار بسرعة، سواء للاستيراد أو العلاج أو السفر، يلجأ إلى السوق السوداء رغم ارتفاع السعر. يشبه ذلك وجود سلعة بسعر رسمي منخفض، لكنها غير متوفرة، فيضطر الناس لشرائها من مكان آخر بسعر أعلى.
ثانيًا: زيادة الطلب على الدولار
الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يعني أن معظم السلع تُشترى بالدولار. إضافة إلى ذلك، يحتاج الناس الدولار للسفر أو الدراسة أو حتى للاحتفاظ به كادخار. ومع زيادة عدد الأشخاص الذين يريدون الدولار، يرتفع سعره تلقائيًا، تمامًا كما يحدث عندما يزداد الطلب على سلعة معينة في السوق.
ثالثًا: الخوف وتوقعات الناس
عندما تنتشر أخبار عن أزمات أو قرارات اقتصادية مفاجئة، يخاف الناس على قيمة أموالهم. في هذه الحالة، يتحول الدولار إلى ما يشبه “الملاذ الآمن”، فيشتريه البعض ليس لأنهم بحاجة إليه اليوم، بل خوفًا مما قد يحدث غدًا. وهذا السلوك وحده كفيل برفع السعر حتى دون وجود نقص حقيقي.
رابعًا: عدم وضوح القرارات الاقتصادية
القرارات التي تصدر دون شرح كافٍ، أو التي تتغير بسرعة، تجعل الناس غير مطمئنين. ومع غياب رؤية واضحة، يفقد المواطن الثقة في استقرار الدينار، ويفضل تحويل مدخراته إلى الدولار. وكلما زاد هذا الشعور، زاد الضغط على السوق الموازية.
في النهاية، السوق السوداء ليست مجرد مكان لتبادل العملة، بل هي مؤشر على مستوى الثقة. فكلما زاد الغموض وقلت الثقة، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية واتسعت الفجوة مع السعر الرسمي.
قرار 6 أبريل 2025… نقطة انعطاف في سعر الصرف
في 6 أبريل 2025، أعلن مصرف ليبيا المركزي عن خفض قيمة الدينار الليبي بنسبة 13.3%، ليصبح السعر الرسمي حوالي 5.56 دينار مقابل الدولار الأمريكي، وذلك في أول تعديل رسمي لسعر الصرف منذ يناير 2021. ففي ذلك الوقت، حدّد المركزي الليبي سعر الصرف عند 4.48 دينار للدولار، في خطوة هدفت إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي السابق، الذي كان يقارب 1.40 دينار للدولار (من دون احتساب الضريبة على النقد الأجنبي)، وسعر السوق الموازية الذي كان يدور حول 5 دنانير.
وقد نجحت هذه الآلية نسبيًا في حينها، حيث تقلّصت الفجوة خلال جزء كبير من عام 2021. غير أن هذه الفجوة عادت إلى الاتساع مع نهاية العام نفسه، نتيجة عودة الضغوط على النقد الأجنبي، وتوسع الإنفاق العام، وزيادة الطلب على الدولار، إلى جانب تجدد حالة عدم اليقين السياسي، ما دفع الناس مجددًا إلى اللجوء للسوق الموازية.
في أبريل 2025، حاول مصرف ليبيا المركزي تكرار السيناريو نفسه. وجاء القرار في وقت كانت فيه الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية آخذة في الاتساع، حيث كان الدولار يُتداول في السوق السوداء عند مستويات أعلى بكثير من السعر الرسمي. وقد حظي هذا القرار بتغطية واسعة من وسائل إعلام دولية وعربية، من بينها Reuters والجزيرة، اللتان أشارتا إلى أن خفض قيمة الدينار يعكس ضغوطًا مالية واقتصادية متراكمة، إلى جانب تحديات مرتبطة بالإنفاق العام والانقسام المؤسسي.
ورغم أن الهدف المعلن للقرار كان تقليص التشوهات في سوق الصرف، إلا أن تأثيره النفسي على السوق ساهم لاحقًا في زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية، ما أدى إلى استمرار ارتفاع الأسعار بدل انحسارها.
ولم يكن خفض قيمة الدينار في أبريل 2025 الإجراء الأخير، إذ عاد مصرف ليبيا المركزي في يناير 2026 ليُقدم على خفض جديد لقيمة العملة، في مؤشر على استمرار الضغوط الاقتصادية والنقدية، وعدم معالجة جذور الاختلال في سوق الصرف.
هل سيرتفع سعر الدولار في ليبيا؟
الإجابة المختصرة: نعم. ما دامت الثروة لا تُدار بشكل صحيح، سيبقى الضغط على الدينار قائمًا. فالنفط كان موجودًا، ولا يزال، لكن القرار منقسم، والإنفاق مزدوج بلا ضوابط، والسياسات تتغير من دون رؤية واضحة، فدفع الدينار الثمن… وسيواصل المواطن دفعه.
في المقابل، نرى دولًا ذات موارد طبيعية أقل، مثل تونس، تتمتع بعملة أكثر استقرارًا، ليس لأنها أغنى، بل لأنها تمتلك مؤسسات أكثر انتظامًا، وسياسات اقتصادية أوضح، وقرارًا ماليًا ونقديًا يعمل ضمن إطار واحد. الفرق هنا ليس في حجم الثروة، بل في كيفية إدارتها. فالعملة القوية لا تعكس الموارد فقط، بل تعكس الانضباط، والوضوح، والثقة في الدولة قبل أي شيء آخر.
ومن دون تغيير هذا الواقع، ستبقى السوق السوداء أسرع وأوضح من الدولة. أما الخروج من هذا المسار، فلا يبدأ بتغيير سعر الصرف، بل بتوحيد القرار المالي والنقدي، وضبط الإنفاق، وتقديم سياسة واضحة ومعلنة يمكن للناس والسوق الوثوق بها. وبدون ذلك، يبقى مصير الدينار الليبي مهددًا بالسير في مسار عملات فقدت قيمتها رغم امتلاك بلدانها لموارد كبيرة، مثل البوليفار الفنزويلي.


